ابراهيم بن عمر البقاعي

296

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

من المعلوم قطعا أن الجواب : ليسوا أشد خلقا من ذلك ، فليس بعثهم ممتنعا ، وليست غلبتهم لرسول الواحد القهار - الذي حكمه في هذا الوحي بإظهاره على الدين كله - بجائزة أصلا ، نقلا ولا عقلا ، بوجه من الوجوه ، فلا شبهة لهم في إنكاره ولا في ظنهم أنهم يغلبون رسولنا ، بل هم في محل عجب شديد في إنكاره وظنهم أنهم غالبون في الدنيا ، عبر عن ذلك بقوله ، مسندا العجب إلى أجلّ الموجودات أو أجلّ المخلوقات تعظيما له بمعنى أنه قول يستحق أن يقال فيه : إنه لا يدري ما الذي أوقع فيه وكان سببا لارتكابه ، فقال : بَلْ عَجِبْتَ بضم التاء على قراءة حمزة والكسائي لفتا للقول من مظهر العظمة للتصريح بإسناد التعجب إليه سبحانه إشارة إلى تناهي هذا العجب إلى حد لا يوصف لإسناده إلى من هو منزه عنه ، وبفتحها عند الباقين أي من جرأتهم في إنكارهم البعث ولا سيما وقد دل عليه القرآن في هذه الأساليب الغريبة والوجوه البديعة العجيبة التي لا يشك فيها من له أدنى تصور ، وقد كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ظن كما هو اللائق أنه لا يسمع القرآن أحد إلا آمن به ، قال القشيري : وحقيقة التعجب تغير النفس بما خفي فيه السبب مما لم تجر العادة بحدوث مثله ، ومثل هذا حديث الصحيحين عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لأم سليم وأبي طلحة رضي اللّه عنهما : ضحك - وفي رواية : عجب - اللّه من فعالكما الليلة « 1 » ، وحديث البخاري رحمه اللّه عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أيضا : عجب ربنا من أقوام يقادون إلى الجنة في السلاسل « 2 » . ومثله كثير ، والمعنى في الكل التنبيه على عظم الفعل وأنه خارق للعادة ، ويجوز أن يكون المعنى أنهم لم ينكروه لقلة الدلائل عليه ، بل قد أتى من دلائله ما يعجب إعجابا عظيما من كثرته وطول الأناة في مواترته وَيَسْخَرُونَ * أي حصل لك العجب والحال أنهم يجددون السخرية كلما جئتهم بحجة وَإِذا ذُكِّرُوا أي وعظوا من أيّ واعظ كان بشيء هم به عارفون جدا يدلهم على البعث مثل ما يذكرون به من القدرة ، مع أنه لا يجوز في عقل عاقل منهم أن أحدا يدع من تحت يده بلا محاسبة لا يَذْكُرُونَ * أي لا يعملون بموجب التذكير . [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 14 إلى 19 ] وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ ( 14 ) وَقالُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ ( 15 ) أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ( 16 ) أَ وَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ ( 17 ) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ ( 18 ) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ ( 19 )

--> ( 1 ) أخرجه البخاري 3798 و 4889 ومسلم 2054 والبيهقي 4 / 185 وابن حبان 5286 والواحدي ص 281 عن أبي هريرة رضي اللّه عنه . ( 2 ) أخرجه البخاري 3010 و 2677 وأحمد 2 / 302 و 406 و 457 وأبو داود 2677 وابن حبان 134 والبغوي 2711 عن أبي هريرة رضي اللّه عنه . وفي الباب عن أبي أمامة الباهلي رضي اللّه عنه ، وإسناده لا يصح انظر المسند 5 / 249 .